عبد الملك الجويني

20

الشامل في أصول الدين

كل مكلف ، ثم زدتم على المعنى ، وزعمتم أنهم مرسلون ليشككوا العقلاء حتى إذا تشككوا نظروا . وهذا قلب لا محيص لهم عنه . والوجه الآخر في الجواب أن نقول : دلالات المعجزات مستندة إلى قضية العادات على ما سنوضحها في موضعه إن شاء اللّه . ثم من حكم المعجزة خرق العادة إذا تضمن تصديق النبي . ونحن نعلم اطراد العادة في أن من ظهر واشتهر وأبدى آية عجيبة ، وعجز الخلائق عن مقابلتها ، فقد خرق العادة بتوفر الدواعي على النظر في حاله ؛ ولا سبيل إلى تقرير خرق هذه العادة ، إذ العادة تنخرق على وفق إرادة الرسول لا على مخالفته . ولو انخرقت العادة على مخالفته ، لكان فيه إبطال المعجزة . فثبت بذلك لزوم توفير الدواعي إلى النظر ، واندفع ما قدروه ، ولا يبقى بعد ذلك إلا نفوس آحاد من الناس يلهون ويشبهون بعد وجود نظر الدهماء « 1 » من الناس ، وإنما يصعب موقع السؤال لو قدر إباء الكافة حتى لا تثبت النبوة على أحد . فإذا ثبتت على الجمهور لاستبان عناد السراق ، ثم كل ما قدمناه تكلف . والسؤال يندفع بأقل شيء ، وذلك أنا نقول : ثبوت النبوة لا يتوقف على نظر النظار ، بل إنما تثبت النبوة بالمعجزات [ دون ] « 2 » نظر النظار [ حتى ] « 3 » إذا بلغوا . ومن أصل أهل الحق توقف الوجوب على ثبوت الشرع . وليس من أصلهم توقفه على العلم بثبوت الشرع . فكم من واجب يتوجه على المكلف وهو غير عالم به . فليس من شرط الوجوب علم المكلف بالشرع ونظره فيه ، بل من شرطه ثبوت الشرع وقد ثبت . ومن شرطه أيضا عند أقوام تمكن المكلف من الوصول إلى ما كلف به ، وهذا متحقق فيما نحن فيه . فإنه قد تمكن من النظر وثبت الشرع ، وليس علمه شرطا في الوجوب ، فهذا أصلنا . فما لكم تتقولون علينا اشتراط العلم بالشرع ، وتبنون عليه سؤالكم ، فهذا وجه الانفصال عن سؤالهم . فأما أدلة أهل الحق على منع درك الوجوب عقلا ، فسيأتي إن شاء اللّه . فصل [ ما الدليل على وجوب النظر من جهة الشرع ؟ ] فإن قال قائل : فما الدليل على وجوب النظر من جهة الشرع ؟ قلنا : الدليل عليه إجماع المسلمين على وجوب معرفة اللّه تعالى مع اتفاقهم على أنها من أعظم القرب وأعلى

--> ( 1 ) الدّهماء : جماعة الناس وسوادهم ( ج ) دهم . ( 2 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) سبق ذكره .